النويري

14

نهاية الأرب في فنون الأدب

الطَّوفانىّ ، أوجبت على كل بليغ أن يتلو ، « ومنهم أمّيّون لا يعلمون الكتاب إلَّا أمانىّ » وبالجملة فالواجب على كلّ عاقل ألَّا يتعاطى ما لم يعطه ، وأن يدخل باب مجلس سيّدنا ويقول حطَّه ؛ فأما ما أفاض فيه من سكون الأحوال بتلك البلاغة فقد كدت أسكر لما استخرجته من تلك المحاسن التي لو أن الزمان الأصم يسمع لأسمعته ، ولو أن الحظَّ الأشم يخضع لأخضعته ؛ وبالجملة فإنه لا يشنأ زمن أبقى من سيّدنا نعمة البقيّة التي مهما وجدت فالخير كلَّه موجود ، والمجد بحفيظته مشهود ؛ وكما تيسّرت راحة جسمه ، فينبغي أن يقتدى به قلبه في راحة من همّه ؛ وأعراض الدنيا متاع المتاعب ، وقد رفع اللَّه قدره ، وإلا فهذه الدنيا وهدة إليها مصاب المصائب ؛ والحال التي هو الآن عليها عاكف [ إلا « 1 » ] من علم يدرسه ، وأدب يقتبسه ، وحريم عقائل يذبّ عنه ويحرسه ؛ هي خير الأحوال ، فالواجب الشكر لواهبها ، والمسرّة بالإفضاء إلى عواقبها ؛ وما ينقص شئ من المقسوم ، وإن زاد عند المجلس فليس من حظَّه ، ولكن من حظَّ السائل والمحروم ؛ فلا يسمح المجلس بكتاب من كتبه على يد من الأيدي التي لا تؤدّى ، ولا يؤمن أن تكون أناملها حروف التعدّى ، وهى إحدى ما تعلَّقت به الشهوات من اللذّات ، وهو ينعم بها على عادته في كفّ ضراوة القلب ودفع عاديته ؛ موفّقا إن شاء اللَّه تعالى . وكتب إلى القاضي محى الدين بن الزكىّ أيضا : كان كتابي تقدّم إلى المجلس السامي - أدام اللَّه نفاذ أمره ، وعلو قدره ، وراحة سرّه ونعمة يسره ؛ وأجراه على أفضل ما عوّده ، وأسعد جدّه وأصعده ، وأحضره أمثال العام المقبل وأشهده ؛ ولا زال يلبس الأيّام ويخلعها ، ويستقبل الأهلَّة ويودّعها

--> « 1 » هذه الكلمة ساقطة من كلا الأصلين ؛ والسياق يقتضى إثباتها .